سوانِح عَطِرَة من سِيرَة ناصر الدِّين والسُّنَّة المُطَهّرة المجدد الإمام محمد ناصر الدين الألباني وآثاره العلمية

  • أ.د. عاصم القريوتي
  • 1049
نشر عبر الشبكات الإجتماعية

سوانِح عَطِرَة من سِيرَة ناصر الدِّين والسُّنَّة المُطَهّرة المجدد الإمام محمد ناصر الدين الألباني وآثاره العلمية

(ت1332-1420هـ/1914- 1999م)
رحمه الله تعالى

 

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العظيم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} والصلاة والسلام على نبيه الأمين، الرَّحمة المهداة المبعوث رحمةً للعالمين.

أما بعد: فإنَّ للعلماء منزلة رفيعة ومكانة عظيمة في دين الله، وقد أجمل ذلك الإمام الآجري رحمه الله حيث قال: (فإن الله عز وجل، وتقدست أسماؤه، اختص من خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب، فتفضل عليهم، فعلَّمهم الكتاب والحكمة, وفقَّههم في الدين، وعلَّمهم التأويل, وفضلهم على سائر المؤمنين، وذلك في كل زمان وأوان، رفعهم بالعلم, وزَّينهم بالْحِلْمِ، بهم يُعرف الحَلال من الحرام، والحق من الباطل، والضَّار من النَّافع، والحسن من القبيح, فَضْلُهُم عظيم، وخطرُهم جزيل، وَرَثةُ الأنبياء، وَقُرَّةُ عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع، مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العباد، وأعلى درجةً من الزهاد، حياتهم غنيمةٌ، وموتهم مصيبةٌ، يُذكِّرونَ الغافل، ويُعلِّمونَ الجاهل، لا يتوقع لهم بَائِقَةٌ، ولا يُخاف منهم غَائِلةٌ، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصِّرون، جميع الخلق إلى عِلمِهِم مُحتاج، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج, الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة، والمعصية لهم محرَّمة، من أطاعهم رَشَدَ، ومن عصاهم عَنِدَ، ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشْتَبَهَ عليه حتى وقف فيه فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر، وما ورد على أمراء المسلمين من حُكْمٍ لا علم لهم به فبقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون، وما أشْكَلَ على قضاة المسلمين من حُكْمٍ فبقول العلماء يحكمون، وعليه يعوِّلون، فهم سِرَاجُ العباد، وَمَنَارُ البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوبُ أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزَّيغ، مثَلُهم في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البرِّ والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظّلام أبصروا) ((أخلاق العلماء))(ص31-32).

وإنَّ علماء الشريعة شيوخ الأمة، ولهم مقام الأبوة في الدين، إذ يقول الإمام النووي رحمه الله في معرض بيانه لأهمية معرفة الفقيه والمتفقه لشيوخه:

(وهذا من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها، وتقبح به جهالتها، فأن شيوخه في العلم آباءٌ في الدين، وصلةٌ بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل الإنسان بالوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنَّه مأمورٌ بالدعاء لهم، وبِرِّهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم، وشكرهم) ((تهذيب الأسماء واللغات)), للنووي (1/18).

وللعلماء علينا حقوق وواجبات، ومنها التعريف بهم, وذكر فضائلهم ومناقبهم، وذلك لأنَّ العلماء صمَام الأمان للأمة بكل طبقاتها، وهم من حفظ الله لدينه، إذْ بهم تحيا السنن، ويتبصَّر الناس بأمور دينهم، وتتحقَّق المصالح العظيمة للعباد، وفي ذهابهم وقِلَّتِهم الخسران المبين باختفاء ذلك النور والمصباح المنير، وببزوغ رؤوسٍ جاهلةٍ تتخبَّط بغير هدىً وبصيرةٍ، فتقع وتوقع في الفتن, وعظيم المِحَن.

ومن أكبر العلماء الذين لهم حقٌّ عليَّ وعلى كثيرٍ من الأمة شيخنا العلامة المجدد محدث العصر أبا عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله لما له من فضل وجهود في خدمة السنة النبوية ودين الله عزّ وجلّ، مما كان لزامًا علي ووفاء بحقه أن أسطر شيئًا من سيرته رضي الله عنه في كتاب أسميته:

((سوانِح عَطِرَة من سِيرَة ناصر الدين والسُنَّة المُطَهّرة المجدد الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وآثاره العلمية)).

وإنا لما نترجم لهذا الجهبذ العلم نريدـ إضافة للوفاء بحقه في نشر ترجمته أن تحصل لنا العبرة والاعتبار، والاستفادة من مناقبهم العالية، ومحامدهم العديدة، وآرائهم السديدة، وسيرتهم الحميدة، وأخلاقهم الرفيعة، في جوانب عدة أبرزها ما يلي:

  +  التأكيد على إخلاص النية في كل الأعمال, وبخاصة في طلب العلم وتحصيله.

  +  الحرص على العلم النافع من كتاب الله عز وجل, وما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذ:

العلمُ قالَ اللهُ قالَ رسولهُ     قال الصَّحابةُ ليسَ بالتمويهِ

  +  الحرص على العمل الصالح، وأن يكون الإنسان عالمًا عاملًا ومعلمًا حتى يكون بذلك ربانيًا وقدوة لغيره.

  +  ضرورة الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وبذل الجهد في ذلك، وجعله الأساس للعمل، والغيرة على جناب التوحيد.

  +  ضرورة الدعوة إلى نبذ الشرك، وتعريف الناس به لاجتنابه، مع بيان خطره، وأنه محبط للعمل.

  +  الدعوة إلى اتباع الدليل من الكتاب والسنة، ونبذ التعصب لآراء الرجال، إذ الحق لا يعرف بالرجال.

  +  الوقوف أمام الابتداع والإحداث في الدين، لما في البدع من خطرٍ على الإسلام والمسلمين وتشويه لجمال الدين الإسلامي.

  +  ضرورة الوقوف أمام الفرق الهدامة كالباطنية وغيرها من الزنادقة.

  +  ضرورة التحذير من أصحاب الأهواء والفرق الضالة.

  +  الحذر من فتنة الدنيا، وعدم الانجراف في فتنها وشهواتها وحطامها.

  +  الحرص على الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة, والموعظة الحسنة, وبذل النصح في ذلك.

  +  ضرورة الاجتهاد في تحصيل العلم, والمثابرة والجَلَد في تلقيه على المشايخ, مع التأدب معهم.

  +  ضرورة التأني في الفتوى، والتذكير بالتورع فيها, لخطورة التسرع في ذلك.

  +  الحث على الكرم بالمال والجاه للآخرين في مساعدتهم.

وغير ذلك كثير مما تؤخذ به العبر والدروس من سِيَر أعلام الإسلام.

هذا وقد قسمت كتابي إلى سبعة أبواب وهي:

الباب الأول: سيرة الشيخ الألباني ونشأته العلمية.

الباب الثاني: مناقبه وفضائله وصفاته.

الباب الثالث: جهوده الدعوية والإصلاحية.

الباب الرابع: براعته في العلوم الشرعية.

 الباب الخامس: آثاره العلمية.

الباب السادس: وفاته وأصداؤها ووصيته.

الباب السابع: ما قيل فيه من الشعر.

والكتاب موجودة على الرابط التالي:

http://www.alalbany.net/?page_id=217

فرحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته، وحشره مع النبيين, والصديقين, والشهداء، وجزاه خيرًا على خدمته لسنة نبيه, وذَبِّه عنها, وعلى دعوته للتوحيد, والاعتصام بالكتاب والسنة, وأخلف المسلمين خيرًا.

والحمد لله رب العالمين.

إغلاق

تواصل معنا

إغلاق