نصيحة مُشفِق إلى إخواننا في السودان

  • أ.د. عاصم القريوتي
  • 1171
نشر عبر الشبكات الإجتماعية


يا إخواننا في السودان:

مما لا شك فيه أن العدل أصلٌ عظيٌم من شريعة الإسلام، وعليه قام الدين، ويجب العمل لتحقيقه، كما أن الظلم ظلماتٌ، قامت الشريعة على دفعه، وسعت ودعت إلى التخلص منه، وفي الحديث الصحيح:“انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، قالوا : يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال:” تأخذ فوق يديه” أخرجه البخاري.

والإصلاح مطلبٌ شرعيٌّ وخاصة ما يتعلق ما بين الراعي المسلم والرعيّة، وله سبلٌ شرعيةٌ تتحقق بها مصالح مرعيّة، مما هو محرّرٌ ومقرّرٌ في كتب أصول الاعتقاد لدى أهل السنة والجماعة.

والتغيير والإصلاح للواقع السياسي والاقتصادي المتعلق بالحاكم المسلم والدولة المسلمة يجب أن يكون من منظور شرعي وذلك لشمول شريعتنا وكمالها.

وإن مُلِمّات الأمة ونوازلها مناطة بأولي الأمر والعلماء لا بالجمهرة لقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا).

وفي هذه الآية خطابٌ للطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم- وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: (لعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي:يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة، وهم العلماء لأنهم عَلِمُوا ما ينبغي أن يُكتم وما ينبغي أن يُفشَى، كما ذكر أئمة التفسير.

وأما الكثرة فليست دليلا وحدها على الحق قال تعالى:(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).

فالمعيار الحق للطريقة الصحيحة في الإصلاح بموافقتها لكتاب الله وسنة رسوله بفهم سلف الأمة.

وإن الأحداث الحالية في السودان لها مفاسد كثيرة من الإخلال بنعمة الأمن التي امتن الله عز وجل بها على عباده لما قال سبحانه: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

وهي من أعظم أسباب الفتن وأسباب الشرور في المجتمع، لما ينتج عن ذلك من أحزابٍ متصارعةٍ تورث الحقد والضغينة بين أصحاب البلد الواحد ، وقد تؤدي إلى ظلم الناس والتعدي عليهم بغير حق، من تعطيل لمصالحهم، وتأخير قضائها مع الفوضى العارمة في البلاد من المتظاهرين وتجعل للسفهاء وللرويبضة رأياً وسلطة في الأمة في وقت لم يكن لهم دورٌ فيها .

إضافة إلى الأضرار الاقتصادية التي تضرب في البلاد في وقت هي أحوج ما تكون إلى الإصلاح لا إلى ما يُخِل به ويدمره سنين طوال.

وهذه الآثار والمضار تعود سلبا على الضرورات الخمس من الدين والنفس والنسل والعقل والمال التي دعا الإسلام للحفاظ عليها.

ونصيحتي لإخواننا في السودان الحرص الإسلام على الجماعة ووحدة الكلمة، وطاعة ولي أمرهم، لما لها من آثارٍ حميدةٍ، وما لنقيضها من الخروج عليه والفرقة من الأثر السيّئ الكبير على الأمّة والبلاد من جوانب عدة.

وعلى أهل الحل والعقد اتباع سبل المناصحة الشرعية التي سلكها أهل العلم وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأتباعهم بإحسان بالمكاتبة والنصيحة والدعوة إلى الخير بالطرق السلمية والمشافهة.

وما كتبته لا يعني بحال من الأحوال أن الإنسان يقف مع الظلم، ولا أنه لا يسعى للنصح وبذل الوسع لرفع الظلم، إذ السعي لتحقيق العدل ورفع الظلم واجبٌ محتّمٌ.

وعلى فخامة الرئيس عمر البشير – سدده الله للحكمة والعقل – وعلماء السودان السعي لتحيكم شرع الله فعلا إن أرادوا الحفاظ على كيانهم وحكمهم، وعليه التخلص من النقوذ الرافضي في السودان الذي سيكون أول من يسعى لإسقاطه، ولا أشك والله أن الاستمرار في التعاون مع القوم إضعاف لولاء الحكم في أي بلد، وهو من المؤشرات الكبرى لسقوط الحكم فيه، والتاريخ القريب شاهد على ذلك.

فهل من معتبر؟

وأسأل الله بأسماء الحسنى وصفاته العليا أن يجمع شمل المسلمين في السودان ودول الإسلام وأن يحقن دماءهم ويعصم أموالهم ويصلح حالهم ويوحد كلمتهم ويجعل الدائرة على أعدائهم ، إنه على كل شيء قدير.

إغلاق

تواصل معنا

إغلاق