لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة

  • أ.د. عاصم القريوتي
  • 1434
نشر عبر الشبكات الإجتماعية

لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها.

(وصية مربٍّ ربانيّ):

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

 قال لي شيخ الاسلام رضي الله عنه وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد:

”لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهةٍ تمر عليه صار مقراً للشبهات”.

قال ابن القيم: فما أعلم أني انتفعت بوصيةٍ في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك.

وَإِنَّا سميت الشُّبْهَة شُبْهَة لاشتباه الْحق بِالْبَاطِلِ فِيهَا فانها تلبس ثوب الْحق على جسم الْبَاطِل فانه لَا يغتر بذلك بل يُجَاوز نظره الى بَاطِنهَا وماتحت لباسها فينكشف لَهُ حَقِيقَتهَا.

 وَمِثَال هَذَا الدِّرْهَم الزائف فَإِنَّهُ يغتر بِهِ الْجَاهِل بِالنَّقْدِ نظرا الى مَا عَلَيْهِ من لِبَاس الْفضة والناقد الْبَصِير يُجَاوز نظره الى مَا وَرَاء ذَلِك فَيطلع على زيفه فاللفظ الْحسن الفصيح هُوَ للشُّبْهَة بِمَنْزِلَة اللبَاس من الْفضة على الدِّرْهَم الزائف وَالْمعْنَى كالنحاس الَّذِي تَحْتَهُ.

 وَكم قد قتل هَذَا الِاعْتِذَار من خلق لَا يحصيهم الا الله وَإِذا تَأمل الْعَاقِل الفطن هَذَا الْقدر وتدبره رأى اكثر النَّاس يقبل الْمَذْهَب والمقالة بِلَفْظ ويردها بِعَينهَا بِلَفْظ آخر وَقد رايت انا من هَذَا فِي كتب النَّاس مَا شَاءَ الله وَكم رد من الْحق بتشنيعه بلباس من اللَّفْظ قَبِيح,

 وَفِي مثل هَذَا قَالَ ائمة السّنة مِنْهُم الامام احْمَد وَغَيره لَا نزيل عَن الله صفة من صِفَاته لاجل شناعة شنعت فَهَؤُلَاءِ الْجَهْمِية يسمون إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله من حَيَاته وَعلمه وَكَلَامه وسَمعه وبصره وَسَائِر مَا وصف بِهِ نَفسه تَشْبِيها وتجسيما وَمن اثْبتْ ذَلِك مشبها فَلَا ينفر من هَذَا الْمَعْنى الْحق لاجل هَذِه التَّسْمِيَة الْبَاطِلَة إلا الْعُقُول الصَّغِيرَة القاصرة خفافيش البصائر.

 وكل أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من ألالفاظ ومقالة مخالفيهم أقبح مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الألفاظ وَمن رزقه الله بَصِيرَة فَهُوَ يكْشف بِهِ حَقِيقَة مَا تَحت تِلْكَ الالفاظ من الْحق وَالْبَاطِل وَلَا تغتر بِاللَّفْظِ كَمَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى:

تَقول هَذَا جنى النَّحْل تمدحه … وان نَشأ قلت ذَا قيء الزنابير

 مدحا وذما وَمَا جَاوَزت وصفهما … وَالْحق قد يَعْتَرِيه سوء تَعْبِير

من “مفتاح دار السعادة” لابن القيم رحمه الله.

إغلاق

تواصل معنا

إغلاق